miércoles, 4 de mayo de 2011

التاريخ السري للموساد الإسرائيلي



كيف نشأ أخطر جهاز للاستخبارات في العالم الحديث
تم خلق ميليشيات يهودية لمواجهة هجمات العرب على مجموعات المصلين اليهود


اشتهر الموساد بعملياته الاستخباراتية عبر العالم، خاصة ضد العرب والناشطين الفلسطينيين حد أن البعض جعل منه أسطورة الجهاز الذي لا يُقهر، والحال أن العمليات


التي يقوم بها الجهاز بدعوى «مكافحة الإرهاب وتعقب الإرهابيين» تشكل في الحقيقة نوعا من الإرهاب الدولي المكشوف. آخر فضيحة في هذا الاتجاه هي فضيحة انكشاف جريمة اغتيال القيادي في حماس، محمود المبحوح، بدبي، على يد كومندو من الموساد، وقبلها كانت عمليات استهدفت أبو جهاد، ومقاتلي «أيلول الأسود» والنازيين الفارين إلى أمريكا الجنوبية، والمفاعل النووي العراقي واختطاف طائرة حربية عراقية... الحلقات التي ننشرها عن عمليات الموساد في هذا الركن، ليست تمجيدا للجهاز ولا تزكية لعملياته الإرهابية بقدر ما هي استجلاء لعالم الاستخبارات الغريب، الذي تغيب فيه الأخلاق وتتقوى فيه المصالح. الحلقات مقتبسة من كتاب «التاريخ السري للموساد- من 1951 إلى اليوم-» لمؤلفه غوردن توماس. إلا أن توماس لم يكن محايدا في تحريره لـ «تاريخ» الموساد، بل يشعر القارئ بأنه يميل إلى تبني الأطروحة الإسرائيلية حول «الفلسطينيين أو العرب الإرهابيين» لأن الكثير من التفاصيل استقاها من مصادر إسرائيلية ومن أشخاص تلوثت أيديهم بدم من اغتالهم الموساد ذات زمن غفلة من حياتهم.
غلاف الكتاب في طبعته الفرنسية
منذ القدم، اعتاد اليهود الصلاة أمام حائط المبكى. كان الجميع يلتقي في هذا المكان بالقدس. شيب وشباب من مختلف المهن والمشارب الاجتماعية يجتمعون للصلاة لا فرق بين هذا وذاك. لكن، ذلك الجمعة من شتنبر 1929 كان يوما مختلفا. أخبر الأحبار المصلين بأن يجتمعوا بأعداد كبيرة للقيام بصلاة عمومية من أجل البرهنة على رغبتهم القوية في الدفاع عن حق الوجود. كانوا يريدون أيضا، أن يؤكدوا إيمانهم ويقدموا الدليل على قوة الصهيونية وتذكير السكان العرب، المشكلين للأغلبية العظمى في فلسطين، بأنهم لن يستسلموا. قبل ذلك، سادت إشاعات تعكس غضب السكان المسلمين من احتمال توسع المد الصهيوني على إثر إعلان بلفور سنة 1917، الذي وعد بإنشاء مكان لليهود في فلسطين. بالنسبة للعرب، الذين ظل أجدادهم يعيشون في هذه الأرض المقدسة منذ عهد الرسول، اعتُبر هذا الإعلان استفزازا كبيرا لهم. فالأرض التي زرعوها لقرون عديدة ستصبح موضوع مطالبة من اليهود، وربما انتُزعت منهم على يد الصهاينة بتزكية وحماية من البريطانيين، الذين فرضوا الحماية على فلسطين بعد الحرب العالمية.
البريطانيون حكموا هذه المستعمرة كما بقية المستعمرات مع العمل على التوفيق بين اليهود والعرب وإرضائهما معا. إلا أن هذا الأسلوب أدى إلى الكارثة. فالتوتر بين الطرفين لم يهدأ مع مرور السنين، وغالبا ما كان الصراع يشتعل حول الأماكن الدينية، حيث كان اليهود يريدون بناء معابدهم ومدارسهم الدينية.
منتصف النهار، كانوا قرابة ألف يهودي يتلون الصلوات بصوت مرتفع أمام الحائط عندما تعرضوا، فجأة، لوابل من الأحجار والقنينات والعلب الفارغة هاجمهم بها مجموعة من الناشطين العرب من أماكن استراتيجية مختلفة حول الحائط. الهجوم تخللته طلقات نارية مركزة. بأعجوبة، لم يسقط ضحايا على الأرض، إلا أن الجرحى كانوا بالعشرات. في مساء نفس اليوم، اجتمع زعماء الطائفة اليهودية في فلسطين (ييشوف) وأقروا بأن خطأ استراتيجيا ما ارتكب رغم التخطيط الجيد لحدث الصلاة الجماعية العمومية. الأمر يتعلق بإغفال العلم المسبق بالهجوم العربي. أحدهم قال بالعودة إلى النصوص القديمة، وذكر بأنه «منذ الملك داوود، ظل وجود شعبنا مبنيا دائما على جودة استخباره».
هكذا، تشكل بين المقهى التركي وحلويات الشرق المبدأ المؤسس لمنظمة ستصبح مع الأيام أخطر مركزية للاستخبار في العالم الحديث: الموساد. غير أن التأسيس الفعلي لن يتم إلا بعد مرور ربع قرن على ذلك الاجتماع. فقد اكتفى الزعماء اليهود ذلك المساء الدافئ من شهر شتنبر من العام 1929 بتوفير ما أمكن من الأموال وتسخيرها لاستمالة العرب المقربين من دوائر القرار لغاية تحذير اليهود في حال أي هجوم أو اعتداء في المستقبل.
موازاة مع ذلك، كان لابد من أن يستمر اليهود في ممارسة حق الصلاة على حائط المبكى. وبدل أن يرهنوا هذا الحق بحماية البريطانيين لهم، سيتحملون هم أنفسهم الدفاع عن ذلك بواسطة المليشيا اليهودية المستحدثة مؤخرا (الهاغانا). وخلال أشهر قليلة، أمكن وضع حد لهجمات العرب بفضل العمل المنسق بين مجموعات الاستخبار والمليشيا. وظل نوع من الهدوء النسبي سائدا نحو خمس سنوات. في الوقت نفسه، اهتم اليهود بتوسيع شبكة جواسيسهم في السر دون أن يكون لها لا زعيم ولا اسم في حين كان يتم استقطاب العرب إلى الشبكة على قاعدة الارتجال فقط. فكانوا إما أشخاص عاديين يرتادون الأحياء العربية بالقدس، أو ماسحي أحذية صغارا، أو طلبة مرموقين من الكوليج العربي «الروضة». كانوا كذلك أساتذة تعليم ورجال أعمال... كل يهودي كان يُحث على أن يستقطب جاسوسا عربيا وأن يقتسم الأخبار والمعلومات المحصل عليها مع إخوانه. ببطء، لكن، بفعالية، كانت الطائفة اليهودية تستطيع الحصول على معلومات قيمة ليس فقط عن العرب، بل حتى عن البريطانيين.
وصول هتلر إلى الحكم سنة 1933، أعلن بداية هجرة اليهود الألمان إلى فلسطين. وفي سنة 1936، سافر أكثر من 300 ألف منهم عبر أوربا إلى فلسطين. الكثير منهم بلغوها وهم لا يملكون شيئا، فتكلفت الطائفة اليهودية بتوفير الغذاء والمبيت لهم. في ظرف أشهر قليلة، أصبح اليهود يمثلون ثلث السكان في فلسطين. وكعادتهم، كان العرب يردون على ذلك بالدعوة إلى رمي اليهود في البحر. كانت نداءات أئمة المساجد توصي بهذا من على المآذن. حذر العرب من أن «يسلب اليهود أرضنا ومن أن يمدهم البريطانيون بالسلاح والتدريب العسكري». اليهود بدورهم، كانوا يشككون في نية البريطانيين ويتهمونهم بأنهم يحثون العرب، في السر، على العمل على «استرداد أراضيهم بالقوة رغم أنها مشتراة قانونا وشرعا».
حاول المستوطنون الأوربيون تهدئة الطرفين، إلا أنهم فشلوا. وفي سنة 1936، اندلعت حركة احتجاجية عربية كبيرة وعنيفة ضد البريطانيين واليهود في وقت واحد، إلا أنها ووجهت برد عنيف قمعي من قبل البريطانيين. لكن اليهود أدركوا أن العرب سيعاودون الانتفاض ضدهم بغضب أكبر وأعنف طال الزمن أم قصر. في خلال ذلك، ظل عدد الملتحقين اليهود بالهاغانا يرتفع، وهو ما مكنهم من تأسيس نواة جيش سري خطير مجهز جسديا وعتادا. أما شبكة المخبرين العرب فقد تابعت توسعها، كما تم خلق مصلحة سياسية داخل الهاغانا (التي تعني «دفاع» بالعبرية) لزرع الشقاق بين العرب عن طريق نشر الأخبار الزائفة، وسرعان ما أصبحت المليشيا هي الأكثر استخبارا في الأرض المقدسة كلها.
لم تأت الحرب العالمية الثانية بأي جديد لحل الخلاف في فلسطين. اليهود كما العرب شعروا بأن مستقبلا غامضا ينتظرهم في حال انتصار النازيين بينما الشهادات الأولى عن فظاعة معتقلات الموت الأوربية بلغت الطائفة اليهودية في فلسطين.
بن غوريون يؤسس وحدة لمكافحة التجسس لكشف اليهود المتعاملين مع بريطانيا
كانت تعمد إلى قتل من تعتبرهم خونة بواسطة رصاصة في الرقبة


في ذلك الوقت، عقد الزعماء اليهود لقاء تاريخيا في حيفا سنة 1942 شارك فيه دافيد بن غوريون وإسحاق رابين. اتفق المشاركون بسرعة على استقبال الناجين من المحارق النازية في فلسطين. لا أحد كان يعرف عددهم بدقة، لكن الزعماء كانوا يعرفون أن مجيئهم إلى فلسطين سيزيد من إذكاء نار الغضب بين عرب فلسطين. إلا أنه في هذه المرة، عارض البريطانيون القرار اليهودي. فقد أعلنت حكومتهم مرارا أنها ترفض استقبال اليهود الناجين في فلسطين بعد هزيمة هتلر، لأن إجراء مثل هذا من شأنه أن يتسبب في خلل ديمغرافي خطير. إلا أن بن غوريون ظل متشبثا بموقفه الذي أيده فيه بقية المشاركين في اللقاء. كان الزعيم اليهودي يطمح إلى تعزيز صفوف الهاغانا بمزيد من المخبرين والجواسيس، بل تم التفكير في إنشاء وحدة لمكافحة التجسس لكشف اليهود الذين يتعاونون مع البريطانيين و«اليهود الشيوعيين والمعارضين». تكلفت هذه الوحدة بإحصاء النساء اليهوديات اللائي يتعاملن مع الضباط البريطانيين، والتجار الذين يتعاملون معهم وأرباب الحانات التي تخدمهم. وفي عز الليل، كان «الخونة» يمثلون للمحاكمة العسكرية على يد أفراد الهاغانا، فكان المتورطون يتعرضون إما للضرب أو يعدمون جملة برصاصة في الرقبة. فكانت هذه الطريقة العقابية، إذن، مؤشرا على ما سيكون عليه جهاز الموساد مستقبلا.
في العام 1945، تعززت الهاغانا بوحدة جديدة مكلفة بالتموين العسكري، فصارت المليشيا تستقبل السلاح الإيطالي والألماني المحجوز في شمال إفريقيا بعد هزيمة الزعيم النازي روميل. كانت العمليات تتم في سرية تامة على يد جنود يهود يعملون في وحدات الحلفاء بسيناء المصرية. كانت الأسلحة تصل إلى فلسطين على متن شاحنات أو على ظهور الجمال قبل أن تخبأ في حفر بالصحراء.
بعد هزيمة اليابان في غشت 1945، عاد عدد من اليهود إلى فلسطين بعد أن اشتغلوا في مركزيات استخباراتية عسكرية تابعة للحلفاء، فنقلوا معهم تجربتهم ومعارفهم للهاغانا. هكذا اجتمعت جميع الشروط الضرورية لتحقيق حلم بن غوريون: «الحرب من أجل استقلالنا». أما الشرارة التي ستشعل هاته الحرب – بن غوريون كان يعرف هذا الأمر جيدا- فهي ما يسمى في العبرية بالـ«بريشا»، أي عملية استقدام اليهود الناجين من المحارق النازية إلى فلسطين. كانوا يصلون بعشرات الآلاف. الكثير منهم كان ما يزال يرتدي بذلة المعاقل النازية ورقم الاعتقال الموشوم على أياديهم. أتوا من البلقان برا وعلى متن القطارات، ثم عبروا المتوسط إلى الساحل. تعبأ اليهود لشراء أو كراء المراكب وكل ما يمكنه أن يطفو ويسبح على الماء. جل التمويلات تكلفت بها منظمات أمريكية يهودية رغم أن أسعار الكراء والشراء كانت مرتفعة.
عمل البريطانيون على مكافحة هذه الهجرة وإرجاع النازحين من حيث أتوا. في خلال ذلك، حدثت مواجهات عنيفة أحيانا على الساحل، لكن في أحايين كثيرة كان الجنود البريطانيون يغضون الطرف عن الإنزالات اليهودية. لكن بن غوريون لم يعبأ بهذا التساهل البريطاني. بالنسبة له حان الوقت لكي يرحل البريطانيون. وهو الأمر الذي لا يمكن أن يحصل إلا بالقوة. وفي سنة 1946، وبعد أن عمل على توحيد الحركات السرية اليهودية، أمر بإطلاق حرب العصابات ضد البريطانيين والعرب في وقت واحد. جميع اليهود كانوا يعرفون أن استراتيجية بن غوريون خطيرة العواقب لأنها تعمل على واجهتين في وقت واحد. فكان الفشل ونفاد الموارد شبحا يخيفهم. لأن أي فشل سيكون محبطا للغاية. أمام هذا الوضع، سمح بن غوريون بجميع ما يمكن أن يتخيله يهود الهاغانا من ضربات وفظاعات، فصار باب الفظاعات مفتوحا على مصراعيه من جميع الأطراف: يهود قتلوا لمجرد الشبهة في اتصالهم بالهاغانا، جنود بريطانيون كانوا يغتالون بشكل منتظم وتدمر ثكناتهم، قرى عربية بأكملها أحرقت. فقد عمت قساوة إجرامية تعود إلى العصور الوسطى بين جميع الأطراف.
كانت الهاغانا تعتبر التجسس أمرا حيويا، خاصة لتوهيم البريطانيين والعرب، من خلال الإشاعة الكاذبة، بأنهم أكثر عددا مما هم عليه في الأصل. ومع مرور الوقت صارت المليشيات اليهودية صعبة المراس، خفية الضربات... في مقابل ذلك، بدأت معنويات الجنود البريطانيين تتهاوى شيئا فشيئا.
في فبراير من العام 1947، قبلت بريطانيا الانسحاب من فلسطين في أفق شهر ماي 1948. وبداية من هذا التاريخ، ستصبح الأمم المتحدة هي المكلفة بمعالجة مشاكل ما سيسمى، قريبا، دولة إسرائيل. ولما كان بن غوريون وضباطه مقتنعين بأن الخلاف المفتوح مع العرب لا مفر منه من أجل ضمان استمرار وجود الأمة الجديدة، فإنهم أدركوا بسرعة ضرورة الاستمرار في الاعتماد على مصالح استخباراتية أكثر كفاءة من الخصم. فظلت تلك المصالح تجمع المعلومات والأخبار الحيوية لدى السلطات العربية، العسكرية وغيرها. في هذا الإطار، نجح جواسيس يهود بالقاهرة وعمان في الحصول على مخططات هجومية وضعتها القوات المصرية والأردنية. ومنذ انطلاق ما سيسمى حرب التحرير، حقق الإسرائيليون انتصارات عسكرية باهرة. غير أن بن غوريون أدرك جيدا، حتى قبل نهاية المعركة، أن الانتصار النهائي لا يمكنه أن خفقت إلا بفضل الفصل الواضح بين الأهداف العسكرية والسياسية. إلا أنه بعد أن خمدت أصوات الأسلحة سنة 1949، لم يتحقق ذلك الفصل المبتغى بالشكل المطلوب. وهو ما أثار نقاشا عنيفا داخل المصالح الاستخباراتية الإسرائيلية حول الدور الذي ينبغي أن تلعبه في حال السلم.
بن غوريون يؤسس خمس مصالح سرية بتعاون مع المخابرات البريطانية والفرنسية
عاش جهاز الموساد طيلة أربع سنوات عوائق في التأسيس بسبب خلاقات داخلية


بدل أن يوقف بن غوريون النقاش بسلطته المعهودة، قرر خلق خمس مصالح سرية للعمل سواء في الداخل أو في الخارج بعد أن أصبح وزيرا أول لدولة إسرائيل. وسارت الاستخبارات الإسرائيلية في بدايتها على هدى نظيرتها البريطانية والفرنسية، التي قبلت بسهولة التعاون مع الإسرائيليين في هذا المجال. في السياق نفسه تم ربط اتصالات مماثلة بواشنطن مع مكتب المصالح الاستراتيجية من خلال مدير مصلحة مكافحة الإرهاب لهذا المكتب في إيطاليا، جيمس جيسوس أنغلوتون. علاقات هذا الأخير مع جواسيس إسرائيل ستلعب دورا مهما في التعاون الداخلي بين مختلف المصالح الاستخباراتية الإسرائيلية والأمريكية. لكن ورغم البداية الواعدة، سينتهي حلم بن غوريون (نظام استخباراتي مندمج يعمل بانسجام تام) إلى النهاية وهو في مراحله الأولى نتيجة للصعوبات الكبيرة التي اعترضت قيام الدولة التي كانت تبحث عن هوية لها. بعض هذه الصعوبات تمثل في التنافس الكبير بين المسؤولين الكبار على الفوز بامتيازات في هرم السلطة والوصول إلى المراكز المهمة من قبيل: من هو الأهل بتنسيق استراتيجية الاستخبار في شكلها العام؟ من الأهل باستقطاب الجواسيس؟ من سيكون من حقه السبق إلى المعلومات؟ من سيتكلف بتقييمها قبل تحويلها إلى المسؤولين السياسيين في البلاد؟
في تلك الأثناء، كان اليهود يتساقطون على يد ناشطي عرب فلسطين، وجيوش مصر وسوريا والأردن ولبنان تشكل خطرا على إسرائيل، وخلفها ملايين العرب مستعدون للجهاد المقدس. فلا دولة على الأرض نشأت في محيط عدائي مثل المحيط الذي نشأت فيه إسرائيل.
طيلة أربع سنوات، ظلت الخلافات الداخلية تعوق تأسيس جهاز منسجم قوي. في خلال ذلك، قدمت وزارة الخارجية مخططا استخباراتيا مهما يقضي باستعمال دبلوماسي فرنسي كجاسوس لمصلحة إسرائيل في مصر عارضته وزارة الدفاع التي اقترحت أن يتكلف ضابط واحد بالمهمة. غير أن الضابط الذي عين للمهمة، والذي لم يكن صاحب تجربة ودراية في المجال، سرعان ما كشفه الأمن المصري بعد بضعة أسابيع. في الوقت نفسه، اكتشف المسؤولون أن ضباطا إسرائيليين يعملون في أوربا مالوا إلى العمل في السوق السوداء لأسباب مادية بسبب عدم كفاية الموارد المالية المخصصة لعمليات التجسس هناك. كما أن محاولة للتقرب من الدروز المعتدلين في لبنان فشلت نتيجة خلافات داخلية بين مصالح معينة وأخرى غريمة حول كيفية استغلال نتائج هذا العمل. وفي خضم ذلك، تعددت الاقتراحات. سفير إسرائيل في باريس أراد أن يُدبر الاستخبار كما كانت تدبر المقاومة الفرنسية خلال الحرب العالمية الثانية. نظيره في واشنطن طلب أن يستفيد جواسيسه من تغطية دبلوماسية و «يلحق عملهم بالمهمات اليومية للسفارة من أجل إبعادهم عن الشبهات». ممثل إسرائيل في بوخاريست طلب أن تستلهم الاستخبارات الإسرائيلية منهجية عملها من جهاز الـ «كا جي بي» السوفياتي وأن تكون بمثل رهبته وبطشه فيما، نظيره في بوينوس إيريس طالب بأن يهتم الجواسيس الإسرائيليون بالمساعدة التي تقدمها الكنيسة الكاثوليكية للنازيين المهاجرين بالأرجنتين. أما بن غوريون فكان يستمع إلى كل الطلبات بصبر وتأن في انتظار أن يحسم في الأمر.
أخيرا، في 2 مارس 1951، استدعى إلى مكتبه زعماء الوكالات الخمس السرية في البلاد وأعلن لهم أنه قرر أن يجمع كل الأنشطة التجسسية الإسرائيلية في الخارج تحت مسؤولية مصلحة جديدة سميت «Ha Mossad le Teum»، أي «معهد التنسيق»، وأن الموساد سيتخصص له ميزانية قدرها 000 20 جنيه إسرائيلي، منها 000 5 تخصص لـ «مهمات خاصة، لكن بعد موافقتي»، وأن الجهاز سيختار عامليه من المصالح الاستخباراتية الموجودة.
«على المستوى الإداري والسياسي»، سيوضع الجهاز تحت وصاية وزارة الشؤون الخارجية، إلا أنه سيضم في صفوفه ضباطا سامين يمثلون المنظمات الاستخباراتية الإسرائيلية الأخرى، أي: الـ «شين بيث» (مصلحة الأمن الداخلي)، الـ «الأمان» (المخايرات العسكرية) ومصلحة الطيران والبحرية. ضباط الاتصال هؤلاء ستكون وظيفتهم إخبار الموساد دائما بالمتطلبات الملحة «لزبنائهم»، وفي حال الخلاف حول هذا الطلب أو ذاك يتم تحويل الملف إلى مكتب الوزير الأول. وفي ختام الاجتماع توجه بن غوريون إلى الحاضرين بالقول: «أنتم تمدون الموساد بلائحة حاجياتكم وهو سيتكلف بإحضارها. لا تهتموا بالمكان الذي سيزود فيه بالطلبات ولا بما دفعه من أموال».
بعد ذلك، سرعان ما أعلن الوزير الأول وصايته على الجهاز وأنه الرجل القوي فيه. ففي ملاحظة وجهها للمدير العام الأول للموساد، روفن شيلواه، وضح بن غوريون الأمر جيدا عندما كتب: «الموساد سيعمل تحت إمرتي، سيتبع أوامري وسيحاسب دائما أمامي على ما سيقوم به من عمليات».
وُضعت إذن القواعد الأساسية للجهاز، ليصبح لليهود جهازهم الاستخباراتي الرهيب، الذي سيصبح أكثر الأجهزة الاستخباراتية خطورة في العالم. وسرعان ما ضم إليه شبكة مهمة للتجسس كانت تعمل في العراق منذ سنوات تحت إمرة المصلحة السياسية للدفاع الإسرائيلي. كانت المهمة الأولى لهذه الشبكة تقضي بالانسلال إلى أعلى المراتب في الجيش العراقي وتأسيس فرع خاص يتولى تنظيم التهجير السري لليهود العراقيين إلى إسرائيل. إلا أنه في سنة 1951، بعد مرور 9 أسابيع فقط على توقيع بن غوريون لوثيقة تأسيس الموساد، تم كشف الشبكة التجسسية في العراق على يد الأمن العراقي في بغداد وتم توقيف جاسوسين إسرائيليين والعشرات من اليهود العراقيين والعرب الذين تم استقطابهم للمشاركة في فرع التهجير. الفرع نفسه كانت له تفرعات في عدد من البلدان الأخرى في الشرق الأوسط. في خضم ذلك، وجهت تهمة التجسس لـ 28 متواطئا فيما تم الحكم بالإعدام على الجاسوسين الرئيسيين، وبالمؤبد على 17 من المقبوض عليهم وبالبراءة على الآخرين. غير أن الجاسوسين الرئيسيين أفرج عنهما لاحقا مقابل مبلغ مالي كبير تم إيداعه في حساب سويسري تابع لوزارة الداخلية العراقية.
بن غوريون وإسحاق رابين يعطيان الضوء الأخضر لجلب الطائرة العراقية
أخلى رئيس الموساد كل عملائه من العراق خوفا من فشل العملية



يحكي العميل: «ركبتُ الرقم من هاتف مؤدى عنه في بهو الفندق لأن احتمال التصنت على المكالمة أضعف مقارنة مع استعمال هاتف الغرفة. أحد ما حمل السماعة منذ الرنة الأولى. سأل من المهاتف بالفارسية. أجبته بالإنجليزية وأنا أحاول الاعتذار مدعيا أنني أخطأت الرقم قبل أن يعاود الشخص سؤالي بالإنجليزية، فقلت «أنا صديق لجوزيف». تساءلت هل كان الشخص يعرف أحدا بهذا الإسم. طلب مني الانتظار قليلا. فقلت في نفسي ربما يريد أن يربح بعض الوقت حتى يتأكد من مصدر المكالمة، وربما في الأمر فخ منصوب لي. لكن سرعان ما أجابني صوت آخر تكلم معي بلباقة. أخبرني بأنه هو جوزيف وأنه سعيد بالمكالمة. سألني إذا ما كنت أعرف باريس. فقلت إنه الشخص الحقيقي الذي أبحث عنه».
قبل باكون أن يلتقي بجوزيف، في اليوم الموالي، بمقهى بغدادي على الساعة الثانية عشرة ظهرا. لما حلت ساعة اللقاء، تقدم رجل إلى باكون بوجه مبتسم. إنه جوزيف. حفر الزمن أخاديد على وجهه، فيما صار شعره أبيض كالثلج. جلس إلى الطاولة وترك للعميل الوقت الكافي ليستأنس بالمكان الغريب عليه. حدثه جوزيف عن حالة الجو وعن تدني الخدمات في المقاهي ببغداد. شك العميل في أمر الرجل، لكنه سرعان ما اطمأن بأنه ليس عميلا من عملاء مكافحة التجسس العراقيين. يستعيد باكون حديثه مع جوزيف قائلا: «قلت له إن أصدقائي مهتمون بالبضاعة التي تحدث عنها صديقه. أجابني بأن «سلمان ابن أخته ويعمل نادلا في باريس قبل أن ينحني على الطاولة ويضيف: «أنت هنا لأجل الـ «ميغ»؟ يمكنني أن أمكنكم منها وسيتطلب منكم الأمر دفع مليون دولار». أحس باكون بأن جوزيف شخص أهم مما يوحي به مظهره. كان واثقا من نفسه كثيرا. لكن عندما أراد العميل أن يسأله في الموضوع، حرك العجوز رأسه مومئا بأن المكان ليس مناسبا. اتفقا على اللقاء في اليوم الموالي على مقعد عمومي على ضفة نهر الفورات. ليلتها، عانى باكون من الأرق. لم ينم كما ينبغي من كثرة التفكير في الأمر واحتمال أن يكون الموضوع مكيدة مدبرة من المخابرات العراقية.
في اليوم الموالي، تعرف العميل أكثر على جوزيف. عرف أنه يتحدر من أسرة يهودية عراقية فقيرة. لما كان طفلا، اشتغل خادما لدى أسرة ثرية مارونية في بغداد. بعد 30 سنة من التفاني في عمله، طٌرد من البيت بعدما اتُهم، ظلما، بالسرقة. وجد نفسه فجأة في الشارع وهو في الخمسين من عمره. عاش يتدبر يومه بما استطاع وبراتب تقاعدي بسيط إلى أن هزته الرغبة في معاودة الاتصال بأصوله اليهودية. أخبر أخته مانو، الأرملة، التي يشتغل ابنها منير طيارا في القوات الجوية العراقية، برغبته. مانو هي الأخرى كشفت له نفس الرغبة وأنها كانت دائما تحلم بالهجرة إلى إسرائيل. لكن، ما العمل، خاصة أنه يكفي أن تعلن هذا النوع من النية أو الرغبة في العراق لتجد نفسك في السجن.
تعززت فكرة الهجرة من خلال حديث منير، ابن أخته، عن طائرة الـ «ميغ» وما يقوله رئيس السرب العراقي الذي يعمل معه عن استعداد الإسرائيليين لدفع ثروات طائلة لإلقاء ولو نظرة واحدة على طائرته. تصور جوزيف أن مبلغ مليون دولار الذي يطلبه يمكنه من أن يصل إلى شخصيات نافذة تسهل الهجرة الجماعية لأسرته إلى إسرائيل. أما منير، فكان يحب أمه حبا كبيرا يجعله مستعدا للتضحية بكل شيء من أجلها.
وهل يعلم منير بالأمر؟، سأل العميل.
طبعا، هو موافق على الهجرة. لكنه يريد نصف المبلغ حالا، والبقية قُبيل الرحيل.
لزم العميل الصمت. كل ما سمعه يبدو منطقيا وقابلا للتحقيق. لكن يجب عليه أن يصوغ قرارا في الموضوع ويوجهه إلى مائير عميت. بعد عودته إلى تل أبيب، تقابل مع المدير العام وظل يتحدث معه لوقت طويل. في خلال ذلك، فسر باكون لرئيسه كل تفاصيل مخطط جوزيف، الذي كان يريد أن يحول المبلغ الذي طلبه إلى حساب في بنك سويسري وأن تقدم لأحد أقاربه المساعدة الطبية العاجلة في سويسرا...
أذن مائير عميت بإيداع نصف مليون دولار بالوكالة المركزية للقرض السويسري بجنيف. إلا أن الرهان كان كبيرا وفيه الكثير من الخطورة، ليس فقط على المستوى المالي. فقد كان يدرك جيدا أنه لن يبقى على رأس الموساد إذا تبين أن جوزيف ليس إلا نصابا كما اعتقد بعض معاونيه.
حان الوقت لإخبار بن غوريون ورئيس القيادة العامة إسحاق رابين، اللذين أعطيا الضوء الأخضر لبدء العملية بعد أن أخبرهما مائير بأنه بادر بإخلاء عملاء الموساد من العراق، مبررا ذلك بالقول: «كنت حريصا على أن لا أورط أحدا معي في حال فشل العملية. شكلت خمسة فرق. الأول كان مكلفا بربط الاتصال بيني وبين بغداد، على أن لا يتصلوا بي إلا في حال الضرورة القصوى. الفريق الثاني كان مكلفا بالانتقال إلى بغداد دون أن يعلم بذلك أحد بمن في ذلك العميل باكون نفسه وأعضاء الفريق الأول. لا أحد إطلاقا. كانت مهمته تقضي بمراقبة باكون والتدخل في حال وقوع مشكل له أو لجوزيف إذا أمكن. الفريق الثالث كانت مهمته تقضي بمراقبة الأسرة. الفريق الرابع كُلف بالاتصال بالأكراد الذين كان يفترض أن يتعاونوا معنا خلال المرحلة النهائية من الترحيل. فالأكراد كانوا يسلحون من قبل إسرائيل. أما الفريق الخامس فكانت مهمته تتمثل في ربط الاتصال مع واشنطن والأتراك، إذ كان لابد من أن تعبر الطائرة الأجواء التركية قبل أن تحط في إسرائيل. كنا نحتاج لتعاون الأتراك لأنني علمت بأن العراقيين لم يكونوا يملؤون خزانات طائرات الـ«ميغ» إلا نصفها لتفادي احتمال هروب طياريها».
http://aljazeeratalk.net/forum/showthread.php?t=276811

No hay comentarios:

Datos personales

Escritora ultimahorajihad@gamail.com