sábado, 12 de febrero de 2011

هنَّأ فضيلة الشيخ الدكتور سلمان بن فهد العودة (المشرف العام على مؤسسة "الإسلام اليوم")

هنَّأ شعب مصر بنجاح ثورته الاستثنائية
د. العودة: سلميَّة الثورة وعفويتها ووحدتها سرُّ صمودها
السبت 09 ربيع الأول 1432 الموافق 12 فبراير 2011
د. العودة: سلميَّة الثورة وعفويتها ووحدتها سرُّ صمودها

أيمن بريك

هنَّأ فضيلة الشيخ الدكتور سلمان بن فهد العودة (المشرف العام على مؤسسة "الإسلام اليوم") شبابَ مصر على نجاحهم في تحقيق مطالب الثورة، مؤكدًا أن سلمية الثورة وعَفْوِيّتها وهدوءها ووحدتها ونُبْل أهدافها هو سرّ صمودها ونجاحها.

وقال الشيخ سلمان- عبر صفحته الشخصية على موقع التواصُل الاجتماعي "تويتر"-: إنني أتقدِّم "بتهنئةٍ من القلب على نجاح ثورة شباب مصر العظيم. الليلة وُلِدت مصر بروح جديدة، وانتصر الشعب الأعزل على جلَّاده" ، داعيًا المسلمين في جميع أنحاء العالم إلى الدعاء لأهل وشعب مصر، وذلك بقوله: "تواصوا بالدعوات لأهل مصر أن يأخذ بأيديهم إلى الخير، ويُوحِّد صفوفهم، ويُمدَّهم بروح من عنده".

مصر جديدة

وفي مقالٍ له نشره موقع "الإسلام اليوم" بالتزامُن مع صحيفة عكاظ السعودية والوطن القطرية والبلاد البحرينية تحت عنوان "ادخلوا مصر آمنين"، قال الشيخ سلمان: لقد انفتحت شهيَّتِي هذه الأسابيع على مشاهدة التّطورات المتلاحقة في أرض مصر الحبيبة، بدءًا من ميدان التحرير الذي سيخلّده التاريخ كمنطلق لثورة شبابية لا عهد للناس بها، ومرورًا بأحياء القاهرة والإسكندرية والسويس والإسماعيلية والمنصورة وغيرها من المدن المصرية، فلقد كنت في اليوم الأول للمظاهرات مارًّا بميدان التحرير, متجهًا إلى المطار، ورأيت مجموعات متفرقة من الناس تلاحقهم الشرطة، وهم يفرّون بفزع وخوف ظاهر، لم تكن تلك الحركات جديدة ولا مُلْفِتة للنظر، ولم يخطر ببالِي أبدًا أنها ستتطوَّر لتكون أعظم ثورة عرفها تاريخ مصر الحديث.

وأضاف فضيلته: إنَّها ثورة سلمية هادئة، لا سلاح ولا قتال ولا تدمير، بل الثوّار نسّقوا لجانًا للحماية والأمن, وحموا المتاحف والمؤسسات, وضربوا مثلاً رائعًا في الانضباط, وصنعوا حياةً كاملةَ الملامحِ جميلةَ الشيات في ميدانهم الشهير، وكان العدوان والقتل والفساد من قِبَل المنتمين إلى النظام السابق، الذي انتهى فعلاً، مُعْرِبًا عن تفاؤله بأنَّ (مصر الجديدة) ستكون شيئًا آخر مختلفًا عمّا عهدناه، وستُعِيد ثقة الشعوب العربية الإسلامية بهذا البلد العظيم.

مرجعية ميدان التحرير

وأوضح الدكتور العودة: أنَّ أهم ما يُمَيِّز الثورة المصرية أنها ثورة عفويّة صادقة مباشرة، ليس وراءها أيديولوجيات خاصة، ولا دوافع سياسية، شعاراتها واضحة وأهدافها جليّة، ولذلك فإنَّها سرعان ما حازت ثقة الجميع، بل وأجبرت الإعلام الرسمي المصري في صُحُفِه وقنواته على أن يغيّر موقفه منها، ويعود فيثنِي على هؤلاء الأبطال ويمجّد ثورتهم، كما أنَّ الرسميين أعلنوا أنهم مع الثورة، مشيرًا إلى أنه أيًّا كانت الدوافع، فهو انحياز الناس للحق تارة، وانحيازهم للغالب تارة أخرى، وكِلَا الأمرين مما يُحسب لثورة الفيس بوك، أو ما يمكن أن نُسمِّيه بــ"ثورة العطاش إلى الحرية والحقوق والشفافية"، فالثورة الشعبية في مصر انبَثَقَت من رَحِم المجتمع الشاب المتطلع، دون تياراتٍ بارزةٍ أو أحزاب عريقة، وهي بهذا تبتكِر نمطًا جديدًا يُضعف قيمة الترميز للقادة سواء كانوا سياسيين أو اجتماعيين، ويعطي أهمية للأفراد العاديين، وللفعل الجماعي المؤسسي المبنِي على المصداقية، وهي بهذا تَختلِف عن ثورات مصرية سابقة, ارتبطت بأسماء سياسية كسعد زغلول، أو عبد الناصر، أو ثورات أخرى كان يقودها أشخاص لهم كاريزما كالخميني، فهي ثورة هادئة لا تُسْتَفَزُّ ولا تُستدرج، ولكنها صَبُورة ومصرّة على مطالبها.

وأردف فضيلته: لقد ساوَرَنِي قلق وأنا أرى بعض السياسيين يظهرون في حوار مع الساسة، وخشيت أن تُختَطف ثورة المُهَمَّشِين أو يُراهن على عامل الوقت في تذويبها، ففوجئت بموقف واضح وسهل يتحدث عن مطلب واحد هو "الرحيل" دون شيء آخر, وأن المليون متظاهر أصبحوا ملايين, وأن اليوم أصبح شهرًا, والشعب المصري يكشف عن ذكاء فطري ولطف وظرف وإبداع وتلاحم غريب، مضيفًا: إنني لستُ ضد الحوار، لكن مرجعية المرحلة الجديدة هي في "ميدان التحرير"، وهؤلاء الشباب يجب أن يَحْظوا باحترام الجميع حتى مَن هُم في مقام الآباء؛ لأنهم نجحوا فيما أخْفَق فيه الآخرون.

ضربة للقاعدة

وأشارَ العودة إلى أن ثَمّة أمرًا قد لا يَنْتَبِه إليه كثير من المحللين وهو أن تلك الثورة ومن قبلها ثورة تونس، ضربت منهج تنظيم القاعدة وأنصارها في الصميم، وبات واضحًا جليًّا أن التغيير في المنطقة ممكن بالأسلوب السلمي الحضاري المشرّف الذي تحرك به الشعب المصري والتونسي، دون أن تغرق المدن في شلالات من الدم, وتعيش حالة رعب وفتنة داخلية تأتِي على الأخضر واليابس.

إلى الخائفين من الإسلام

ولفت الشيخ سلمان: إلى أنّ ما شهدته مصر هو ثورة جديدة وملامح مختلفة, يَجدُر بالمؤرخين والاجتماعيين أن يتوفروا على دراستها بعد اكتمال نموذجها؛ لأنها ستتكرّر في أكثر من بلد حسب ما يتوقع الخبراء، مشيرًا إلى أن صحفية "النيوزويك" وضعت رهانًا بالدولارات على أيّ البلاد أسرع لاقتفاء النموذج المصري: الجزائر؟ أم الأردن؟ أم سوريا؟، مؤكدًا أن الثورة الشعبية في مصر قدَّمت نموذجًا متحضرًا، ولعل هذا ما أشار إليه الناشط البريطاني "جون رييز" عن مصر بعد زيارة قام بها لميدان التحرير في القاهرة؛ حيث قال: "في ميدان التحرير في الجمعة الماضية, حينما وقف المسلمون للصلاة كان المسيحيون المصريون يحمون ظهورهم، وفي يوم الأحد الماضي حينما وقف المسيحيون لأداء القدّاس كان المسلمون المصريون يحمون ظهورهم!!، فلا تقدموا لنا محاضرات عن القيم البريطانية، إنني اليوم أريد القيم المصرية والعربية والإسلامية، إنها ثورة ضد الاستبداد والظلم، إنّ هؤلاء الثوار مُنظَّمون بشكل بديع، إنها لأعظم رسالة يُوجِّهها المصريون والعرب والمسلمون للخائفين من الإسلام (إسلاموفوبيا) وللمتحدثين عن الإرهاب.. ليقولوا: ها هم المصريون فوق الجميع..".

واستطرد فضيلته: أنّ المفكر الأمريكي نعوم تشومسكي قدَّم نفس الصورة، حينما قال في مشاركة تليفزيونية: "إنّ هذه الانتفاضة هي أعظم ثورة استثنائية حسب ما أذكر.. إنها ثورة منطقة.. وليست ثورة شعب"، موضحًا أن من عجائب ثورة ميدان التحرير أنها كشفت ضلالاً فكريًا يعيشه أولئك الذين يحددون مواقفهم على نقيض مواقف الآخرين، وليس على الأسباب الموضوعية، فلقد أصبحت الولايات المتّحدة أقرب إلى تأييد الثورة وعلى لسان الرئيس ذاته، وكذَا إيران وحزب الله، وتركيا وماليزيا، وهي غير مُنْحَازة، ولعلَّ معظم دول العالم تعاطف معها، فهذا موقف مشترك يجمع النقائض، ويشير إلى أن هناك من يتعاطف مع أشواق الحرية والشفافية والعدالة والآفاق المستقبلية الواعدة، وهناك من يسجّل بموقفه ثأرًا من نظام يتهاوَى، والناس تتعرف على الدوافع, بيد أنَّ من الخطأ أن يتعوّد المرء على تحديد موفقه بالتأييد أو الرفض بناء على مواقف الآخرين.

هوس التصنيف.. وسؤال مُلِحّ

وذكر الدكتور العودة: أنَّ من عجائب هذه الثورة أنها عرّت فئة من الناس, مصابون بهوس التصنيف، فموقف واحد تتوافق فيه مع فئة كفيل عندهم بإلحاقك بهذه الفئة، فإن وافقت موقفًا رسميًا سمّوك حكوميًّا، وإن وافقت موقفًا غربيًا سموك عميلاً، وإن وافقت رأيًا يقول به الإخوان سموك إخوانيًّا، وربما وصفوك بالشيء ونقيضه، وكأنهم ينتقمون من خلافك معهم، مشيرًا إلى أنَّ هذا موقف غير أخلاقي، وغير علمي، وقد لا يُسجَّل على صاحبه في الدنيا؛ لأنه غير معروف, ولكنه يُحاسب عليه في الآخرة، خاصة إن كان ممن يمتهن مثل هذه الأساليب الرخيصة!، ويشبه هذا مَن يمنحك الثقة والمرجعية لموقف واحد، وقد يَسلُبُها منك لموقف واحد، مع أنَّ العدل الشرعي يقتضي التوازن وحسن المعذرة واحتمال الخطأ أو العثرة، وما من إمام أو عالم أو فقيه أو أيٍّ كان إلا وله زلّة أو عثرة.

ونبَّه فضيلته إلى أن هذه الثورة العظيمة تُمْلِي علينا سؤالاً, لا يجوز أن يمرّ دون توقف، وهو: كيف تتعرف على مشاعر الآخرين تجاهك؟ أيها الحاكم، أو المسئول، أو المعلم، أو الأب ، أو الزوج، أو الموظف، أو التاجر، أو الإصلاحي..؟، لافتًا إلى أنّ ذلك من الممكن أن يتحقق من خلال أن تكون قريبًا منهم, و قادرًا على التقاط الإشارات ولو كانت خفية، غير مغترّ بخداع التقارير الوهمية، أو تطبيل الإدارات الإعلامية، أو هتافات المنتفعين الذين سيقلبون لك ظهر المِجَنّ عند أي بادرة، وسيظهرون عبر وسائل الإعلام ليقولوا: كنا مخدوعين أو مُضَللين أو مُضطرين، وليكفروا عن ماضيهم بمزيد من الهجوم والفضح والتعرية.

لا يكفي أن نقول فهمنا!!

وأوضح الشيخ سلمان: أن الفيس بوك ذاته قبل أن يكون أداة لتنظيم الثورة كان أداة لاستماع المسئول إلى أنين الناس وشكواهم وتذمرهم وعتابهم، بل ودمدمات الغضب في نفوسهم، وقد قال- صلى الله عليه وسلم - لمن أرادوا تسكيت رجل أغلظ له، ((دَعُوهُ فَإِنَّ لِصَاحِبِ الْحَقِّ مَقَالاً)) رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة، وكذلك مراكز الأبحاث والدراسات الجادّة الصادقة، والتي يمكن أن تكون جزءًا من كل وزارة أو حكومة، أو مسئول أو أمير كفيلة بأن تعطي مؤشرات حقيقية عن مشاعر الناس قبل أن تتراكم لتصبح بركانًا لا يمكن ردّه.

فنحن يجب أن نسمع مِمَّن تحت أيدينا، حتى أبنائنا أو موظفينا قبل أن نحتاج إلى أدوات مختلفة لكي نسمع، وحين نسمع يجب أن نفهم، لافتًا إلى أنه لا يكفي أن نقول فهمنا أو تفهمنا تمريرًا لموقف {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ}.

ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ

واختتم الدكتور العودة مناشدًا أهل مصر، قائلًا: إنني أتوجَّه لكل محبِّي مصر العزيزة أن يتفاءلوا بمستقبل أفضل, وهم يقرؤون قوله تعالى: {وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ}، فسيدخلون مصر وهي أكثر أمنًا, وأفضل اقتصادًا, وسيجدون حرية حقيقية، واحترامًا لحقوق الإنسان، وسيرًا في طريق التنمية المتكاملة المستدامة، والنهوض الحضاري، لتصير مصر طليعة الدول العربية، فلقد تأخرنا كثيرًا, ولكن ها هو الفجر الصادق بإذن الله يضيء الأفق وينعش النفوس وينثر أشعته البيضاء في دروبٍ طالَمَا ألفت الليل وظنّته سرمدًا لا يزول، وإن غدًا لناظره قريب.


No hay comentarios:

Datos personales

Escritora ultimahorajihad@gamail.com